سيد محمد طنطاوي
550
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقدم - سبحانه - الجنّة على الناس ، لأنهم هم أصل الوسواس ، إذ أنهم مختفون عنا ، ولا نراهم ، كما قال - تعالى - : إِنَّه يَراكُمْ هُوَ وقَبِيلُه مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ . فلفظ الجنّة - بكسر الجيم - مأخوذ من الجنّ - بفتح الجيم - على معنى الخفاء والاستتار . والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - أعوذ وأعتصم وأستجير ، برب الناس ، ومالكهم ومعبودهم الحق ، من شر الشيطان الموسوس بالشر ، والذي يخنس ويتأخر ويندحر ، إذا ما تيقظ له الإنسان ، واستعان عليه بذكر اللَّه - تعالى - . والذي من صفاته - أيضا - أنه يوسوس في صدور الناس بالسوء والفحشاء ، حيث يلقى فيها خفية ، ما يضلها عن طريق الهدى والرشاد . وهذا الوسواس الخناس ، قد يكون من الجن ، وقد يكون من الإنس ، فعليك - أيها الرسول الكريم - أن تستعيذ باللَّه - تعالى - من شر النوعين جميعا . قال - تعالى - : وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ والْجِنِّ ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً . . . قال قتادة : إن من الجن شياطين ، وإن من الإنس شياطين ، فنعوذ باللَّه من شياطين الإنس والجن . وقال الإمام ابن كثير : هذه ثلاث صفات من صفات اللَّه - عز وجل - الربوبية ، والملك ، والألوهية . فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه ، فجميع الأشياء مخلوقة له . . . فأمر سبحانه - المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات ، من شر الوسواس الخناس ، وهو الشيطان الموكل بالإنسان ، فإنه ما من أحد من بني آدم ، إلا وله قرين يزين له الفواحش . . . والمعصوم من عصمه اللَّه . وقد ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينه » ، قالوا : وأنت يا رسول اللَّه ؟ قال : « نعم ، إلا أن اللَّه - تعالى - أعانني عليه فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير » « 1 » . ومن الأحاديث التي وردت في فضل هذه السور الثلاث : الإخلاص والمعوذتين ، ما أخرجه البخاري عن عائشة - رضى اللَّه عنها - أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 558 .